بقلم: خلود محمد
لم تعد الإجازة الصيفية في دولة الإمارات مجرد فترة يتوقف فيها جرس المدرسة عن الرنين، أو مساحة للهروب من الواجبات الدراسية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى موسم وطني للاستثمار في الإنسان، وبناء المهارات، واكتشاف المواهب، وإعداد جيل أكثر جاهزية للمستقبل.
ففي الوقت الذي كانت ترتبط فيه الإجازة سابقاً بالسفر أو الترفيه فقط، بات المشهد مختلفاً اليوم. فآلاف الطلبة يلتحقون ببرامج صيفية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبرمجة، والروبوتات، وريادة الأعمال، والبحث العلمي، والعمل التطوعي، والفنون، والرياضة، والقراءة، في انعكاس واضح للتحول الذي تشهده فلسفة التعليم في الدولة، والتي لم تعد تكتفي بما يحدث داخل الصفوف الدراسية، بل تنظر إلى التعلم باعتباره رحلة تمتد على مدار العام.
واللافت أن الإمارات وفرت منظومة متكاملة تجعل استثمار الإجازة خياراً متاحاً أمام الجميع. فالمؤسسات الحكومية، والجامعات، والأندية العلمية، والمراكز الشبابية، والمكتبات، والمتاحف، والقطاع الخاص، تتنافس سنوياً في إطلاق عشرات البرامج التي تمنح الطلبة فرصة لاكتساب خبرات حقيقية، بعيداً عن الحفظ والتلقين.
لكن، وعلى الرغم من هذا الزخم، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الأسرة والشاب نفسه. فالإجازة قد تكون نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف، وقد تتحول أيضاً إلى أسابيع طويلة تُهدر أمام الشاشات والألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يخرج منها الطالب بأي قيمة مضافة.
ليس المطلوب أن تتحول الإجازة إلى فصل دراسي آخر، أو أن يعيش الأبناء تحت ضغط الجداول اليومية، وإنما المطلوب تحقيق التوازن. فالشباب يحتاجون إلى الراحة والترفيه والسفر وقضاء الوقت مع الأسرة، لكنهم يحتاجون بالقدر نفسه إلى تجربة جديدة، أو مهارة جديدة، أو كتاب يغير طريقة تفكيرهم، أو مشروع صغير يكتشفون من خلاله قدراتهم.
وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت المهارات هي العملة الأغلى. فاللغات، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والبرمجة، والتواصل، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، وحل المشكلات، لم تعد مهارات إضافية، بل أصبحت من أساسيات النجاح في سوق العمل المستقبلي. والإجازة الصيفية هي التوقيت المثالي لاكتسابها بعيداً عن ضغوط الاختبارات.
ومن الجميل أن كثيراً من الشباب الإماراتي بات ينظر إلى الصيف باعتباره موسماً للإنجاز، لا موسماً للفراغ. فهناك من يؤسس مشروعه الأول، ومن يتطوع لخدمة المجتمع، ومن يلتحق بتدريب مهني، ومن يشارك في مسابقات علمية، ومن يطور تطبيقاً ذكياً، ومن يقرأ عشرات الكتب، ومن يستثمر وقته في تعلم مهارة قد تفتح له أبواباً لم يكن يتخيلها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به الطالب من إجازته ليس شهادة حضور دورة تدريبية، بل عادة جديدة تستمر معه طوال حياته؛ كحب القراءة، أو الانضباط، أو التعلم الذاتي، أو ممارسة الرياضة، أو تخصيص ساعة يومياً لاكتساب معرفة جديدة. فهذه العادات الصغيرة هي التي تصنع الإنجازات الكبيرة.
إن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بعد التخرج، بل يبدأ من كيفية استثمار الوقت. والإجازة الصيفية هي أكبر رصيد زمني يمتلكه الطالب خلال العام. ومن ينجح في إدارة هذا الرصيد اليوم، سيكون أكثر قدرة على إدارة مستقبله غداً.
في النهاية، تبقى الإجازة الصيفية امتحاناً من نوع مختلف؛ لا تُقاس نتائجه بالدرجات، بل بما يضيفه الشاب إلى شخصيته وعقله وخبراته. فبعد سنوات، لن يتذكر كثيرون عدد الأيام التي قضوها في الإجازة، لكنهم سيتذكرون المهارة التي تعلموها، والفكرة التي غيرت حياتهم، والفرصة التي صنعت مستقبلهم. وفي دولة تراهن على الإنسان قبل كل شيء، يبقى أفضل استثمار في الصيف هو الاستثمار في الذات.
