بقلم: خلود محمد
في كل عام، تمر نتائج الثانوية العامة كخبر ينتظره الطلبة وأولياء الأمور، ثم تمضي الأيام سريعاً. لكن بعض النتائج تستحق أن نتوقف أمامها طويلاً، لأنها لا تعلن أسماء المتفوقين فحسب، بل تكشف ملامح مشروع وطني كامل لبناء الإنسان. وهذا ما جسدته قائمة أوائل الثانوية العامة للعام الدراسي 2025-2026.
فالإنجاز الحقيقي هذا العام لم يكن حصول ثمانية طلبة وطالبات على المراكز الأولى، بل الرسائل التي حملتها هذه القائمة. فقد جاءت موزعة على خمسة مسارات تعليمية مختلفة، وشملت التعليم الحكومي والخاص ومدارس التكنولوجيا التطبيقية، في تأكيد واضح أن التميز في الإمارات لم يعد مرتبطاً بمدرسة بعينها أو مسار محدد، وإنما أصبح ثقافة تعليمية راسخة ومنظومة متكاملة تصنع النجاح أينما توفرت الإرادة والاجتهاد.
ويستحق التعليم الحكومي وقفة تقدير، بعدما واصل حضوره القوي في صدارة النتائج، مؤكداً أن الاستثمار المستمر في تطوير المدارس والمعلمين والمناهج بدأ يؤتي ثماره بصورة ملموسة. وفي المقابل، قدم التعليم الخاص نموذجاً متميزاً هو الآخر، ما يعكس تقارب مستويات الجودة بين مختلف المؤسسات التعليمية، ويؤكد أن المنافسة الحقيقية أصبحت على جودة المخرجات، لا على نوع المدرسة.
ومن أجمل ما حملته النتائج أيضاً، تصدر الطلبة الإماراتيين معظم المسارات التعليمية، في رسالة تبعث على الفخر والثقة بأن أبناء الوطن يواصلون إثبات قدرتهم على المنافسة والريادة، وأن الاستثمار في الإنسان الإماراتي لم يكن شعاراً، بل سياسة وطنية أثمرت جيلاً يمتلك الطموح والمعرفة والقدرة على صناعة المستقبل.
وفي الوقت نفسه، تؤكد قائمة الأوائل أن الإمارات أصبحت بيئة تعليمية عالمية تحتضن الموهوبين من مختلف الجنسيات، بعدما ضمت القائمة طلبة من سوريا ومصر إلى جانب الطلبة الإماراتيين. إنها صورة حقيقية لمدرسة إماراتية لا تنظر إلى جنسية الطالب، بل إلى اجتهاده وكفاءته، وتفتح أبواب التميز أمام كل من يعمل بجد ويؤمن بقدراته.
كما لا يمكن المرور على الحضور اللافت للطالبات دون تأمل. فاستحواذهن على المراكز الأولى الأربعة ليس صدفة عابرة، بل امتداد لمسيرة طويلة من التفوق والانضباط والإصرار، ويؤكد أن الفتاة الإماراتية والمقيمة أصبحت شريكاً أساسياً في صناعة التميز العلمي وقيادة المستقبل.
ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل أن خريطة الأوائل امتدت إلى مدارس موزعة في مختلف إمارات الدولة، بما يعكس نجاح السياسات التعليمية في تحقيق تكافؤ الفرص، وتقليص الفوارق، وترسيخ معايير موحدة للجودة، بحيث أصبح الوصول إلى القمة متاحاً لكل طالب يجتهد، بغض النظر عن موقع مدرسته أو نوعها.
واليوم، ونحن نبارك لهؤلاء المتفوقين، فإن التهنئة لا ينبغي أن تقتصر عليهم وحدهم. التهنئة مستحقة أيضاً لآبائهم وأمهاتهم الذين تحملوا سنوات من المتابعة والدعم، ولمعلميهم الذين غرسوا فيهم المعرفة والثقة، ولمديري مدارسهم، ولكل من أسهم في صناعة هذا الإنجاز. فالنجاح الدراسي لا يصنعه طالب بمفرده، بل تقف خلفه منظومة كاملة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان.
وأقول للأوائل: لقد حصدتم ثمرة سنوات من الاجتهاد، لكن ما تحقق اليوم هو بداية الطريق لا نهايته. فالوطن لا يحتاج إلى درجات مرتفعة فحسب، بل يحتاج إلى علماء ومهندسين وأطباء وباحثين ورواد أعمال ومبتكرين يحملون الشغف نفسه الذي أوصلكم إلى القمة، ويحوّلونه إلى إنجازات تخدم المجتمع والإنسانية.
وأقول لكل طالب لم يكن اسمه ضمن قائمة الأوائل: لا تجعل النتيجة تختصر قيمتك. فالحياة لا تقاس بترتيب في كشف الدرجات، وإنما بما تفعله بعده. كم من طالب لم يكن الأول في المدرسة، لكنه أصبح الأول في مجاله، وكم من قصة نجاح بدأت من تعثر مؤقت. النجاح الحقيقي ليس أن تكون الأول دائماً، بل أن تواصل التقدم مهما كانت نقطة البداية.
أما الإمارات، فقد ربحت أكثر من قائمة أوائل؛ ربحت دليلاً جديداً على أن رؤيتها في بناء الإنسان تسير في الاتجاه الصحيح، وأن الاستثمار في التعليم ليس بنداً في الموازنة، بل استثمار طويل الأمد في مستقبل وطن يراهن على العقول قبل أي مورد آخر. وعندما يصبح التفوق موزعاً على المسارات والمدارس والإمارات والجنسيات، فإن الرسالة الأهم تكون واضحة: هنا، تُصنع الكفاءات… وهنا يبدأ المستقبل.
