دبي- الميدان نيوز
في إنجاز علمي يفتح نافذة جديدة أمام علاج أمراض الكلى، نجح فريق بحثي تقوده مؤسسات طبية في سنغافورة، بالتعاون مع باحثين من ألمانيا، في تحفيز الكلى المتضررة على إصلاح أنسجتها واستعادة جانب من وظائفها، عبر تعطيل بروتين يؤدي دوراً محورياً في الالتهاب والتندّب وتفاقم التلف الكلوي.
ويحمل الاكتشاف أهمية استثنائية، لأنه يتجاوز النهج التقليدي الذي يركز على إبطاء تدهور وظائف الكلى، ليطرح مساراً علاجياً تجديدياً يستهدف إزالة العوائق البيولوجية التي تمنع الخلايا المصابة من ترميم نفسها. إلا أن النتائج ما زالت قبل سريرية، وأُثبتت في نماذج حيوانية وخلايا بشرية مخبرية، ولم تتحول بعد إلى علاج معتمد للمرضى.
استهداف البروتين المسؤول عن التندّب
اعتمد الفريق، الذي ضم باحثين من كلية الطب في جامعة ديوك–سنغافورة والمركز الوطني للقلب في سنغافورة، على تعطيل بروتين يُعرف باسم الإنترلوكين-11 «IL-11»، بعدما أظهرت الدراسات أنه يسهم في تكوين الأنسجة المتليفة ويحد من قدرة الخلايا الكلوية على التجدد.
واستخدم العلماء علاجاً قائماً على أجسام مضادة تستهدف هذا البروتين، ما أدى إلى تقليل الالتهاب والتندب، وتمكين الخلايا المتضررة من استعادة نشاطها التجديدي. وأظهرت التجارب تحسناً في بنية الكلى ووظائفها لدى نماذج تحاكي الإصابات الحادة والأمراض الكلوية المزمنة.
استعادة جزء من الكتلة والوظيفة
وأشارت نتائج التجارب إلى أن الكلى المصابة استعادت خلال فترة المتابعة جزءاً ملموساً من كتلتها ووظيفتها المفقودة، بعد إعطاء العلاج التجريبي مرتين أسبوعياً لمدة ستة أسابيع.
وبحسب البيانات المنشورة، استعادت النماذج الحيوانية بعد نحو ثلاثة أشهر قرابة نصف ما فقدته من كتلة الكلى ووظيفتها، في نتيجة تعزز الاعتقاد بأن تلف الكلى قد لا يكون غير قابل للعكس بصورة مطلقة، كما كان يُعتقد سابقاً.
تحول في فلسفة علاج أمراض الكلى
تكمن قوة الاكتشاف في أنه يغير زاوية التعامل مع المرض؛ فالعلاجات الحالية تستهدف عادة السيطرة على ضغط الدم والسكري وتقليل الالتهاب والبروتين في البول، بهدف إبطاء تراجع وظائف الكلى وتأخير الوصول إلى الغسيل الكلوي أو زراعة الأعضاء.
أما النهج الجديد، فيسعى إلى إعادة تنشيط قدرة الكلية الطبيعية على الإصلاح، ومنع الإشارات التي تدفع خلاياها إلى التندب والانكماش. وإذا أثبت العلاج فاعليته وأمانه لدى البشر، فقد يمهد مستقبلاً لتطوير أدوية تساعد على استعادة وظائف الكلى بدلاً من الاكتفاء بإبطاء فقدانها.
الأمل كبير.. لكن العلاج لم يصل إلى المرضى
ورغم وصف الدراسة بأنها إنجاز عالمي في مجال تجديد الكلى المريضة، فإن الحديث عن علاج نهائي للأمراض الكلوية المزمنة لا يزال مبكراً. فالنتائج صدرت أساساً في عام 2023، ولم تثبت بعد عبر تجارب سريرية واسعة أن العلاج قادر على إعادة ترميم كلية بشرية كاملة أو الاستغناء عن الغسيل الكلوي وزراعة الأعضاء.
ويتعين على الباحثين تحديد الجرعات المناسبة، ودراسة الآثار الجانبية المحتملة، ومعرفة مدى اختلاف الاستجابة وفق نوع المرض ودرجته وعمر المريض والحالات الصحية المصاحبة، قبل الانتقال إلى الاستخدام العلاجي الروتيني.
بوابة واعدة لملايين المرضى
يمثل الاكتشاف خطوة متقدمة في الطب التجديدي، وقد يفتح المجال أمام علاجات تستهدف الآليات الجزيئية المسببة لتلف الأعضاء، بدلاً من معالجة النتائج النهائية للمرض فقط.
وبينما لا يزال الطريق إلى العلاج السريري طويلاً، تؤكد النتائج أن إعادة تنشيط الخلايا الكلوية وإصلاح الأنسجة المتضررة أصبحتا احتمالاً علمياً قابلاً للبحث والتطوير، ما يمنح مرضى القصور الكلوي أملاً حقيقياً في مستقبل قد تصبح فيه استعادة الوظيفة جزءاً من العلاج، لا مجرد إبطاء فقدانها.
